ابن عربي

38

مجموعه رسائل ابن عربي

سبحانه وتعالى للناطق من الحيوان كتجلي السراب للظمآن ، وليس في الكون كله شيء يشبه تجلي الحق إلى قلوب العباد من سماء المعرفة سوى هذه الصفة ، ألا ترى التجلي لا يكون إلّا من أعلى أدنى ، وجعل القيعان دون الجبال مجلا للسراب الأسنى فانظرها حكمة ما أجلاها وقطرة مزن ما أعذبها وأحلاها ، ثم حجب حقيقة هذا السراء نصبة تشبيها بعمل أهل الكفر . ثم نبه أهل الإشارة على عظمته عنده في آخر الأمر . فقال حين أنزل عهده ، وخاطب عبده حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد اللّه عنده . فستره أولا بعمل الكفر وبتوفية الحساب بعده ، إذ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، ولا يدرك وصفه وهو اللطيف الخبير فارفع هذه الطنب ، واخترق هذه الحجب تبصر العجب العجاب ، وتشكر القشر الذي صان هذا اللباب . لؤلؤة إلتحام اليواقيت وانتظام المواقيت ولما تمهدت الخليفة وامتدت الدقيقة . إلى الحقيقة ، وتجسد في أول النشأ الترابي الشخص الجسماني الإنسان الآدمي المخلوق بيد التنزيه والمكسو حلة التشريف والتنويه ويردد الجسد طورا بعد طور ، وكورا بعد كور ، في قوالب يكثر عددها ويكبر أمدها ، حتى كانت تلك الأطوار في تلك الأدوار نشأة متحدة . وهيئة فردية متجسدة فلما كملت بنيتها ، وتخلصت تصفيتها ، نفخ فيه الشخص الروحاني ، والكلمة الإلهية ، والأمر الرباني ، فقامت النشأة على ساقها تعتمد وبأمرها تستند . وتوارى الدور بالنشأة ، على أصل البدء . إلى أن سلخ ذلك النهار من ليل أرضه ، والتحق بعنصره الأعلى واختلط بعض ببعض وبقي في أوجه الأعلى رقيبا ، وعلى تعاقب الأدوار حسيبا ، ولتبصرنه على التعيين ، في مقام التمكين ولتعلمن نبأه بعد حين وهو إذ ذاك أحكم الحاكمين فلما ارتفع كما ذكرناه ، في الرد الذي به سترناه تحققت المهلكة بالفساد ، وعم الهلاك جميع البلاد والعباد ، إلى أن حلت الشمس في حملها ثبت شرفها وجذلها وسطع النور وتنزل الأمر فلم يبق أحدا أعلا إلّا صعق لذلك التجلي ولا بقي رفرف أسنى إلّا كان تجلى لذلك التدلي فتنزل نور ، ليس كمثله شيء في أنبوب ماله في مكتنفا بأردية الصون حتى وصل إلى عالم الكون ، فحل الدري المشرق في برجه ، وحصل الرقم المودع في درجه ، فكان ياقوتة حمراء ، تجوفت لها ياقوتة صفراء ،